عندما تسوق المرأة نفسها
إلى الانتحار
و مجتمعها إلى الاندثار
بقلم : عبد المجيد التجدادي
Tajdadi@maktoob.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تطلع علينا قنوات الأخبار مرة مرة ، في إطار من العجائبية ، أو إعطاء النموذج و القدوة ، أو التحدي ..، بأخبارٍ لنساء اقتحمن أعمالا معينة كانت إلى وقت قريب حكرا على الرجال .
… و كانت العادة الجارية خلال السنوات الماضية من القرن العشرين ، في إطار تباهي الدول على بعضها البعض ــ و خاصة الدول النامية ــ و امتنان الحكام على شعوبهم ، أن تُعلن مرة مرة المرأةُ السبّاقة إلى اقتحام عمل معين : فكنا نقرأ أو نسمع في شيء من النشوة و الفخار عن أول امرأة مسلمة ساقت الطائرة ، و عن أول امرأة عربية قادت القطار ، و عن أول امرأة مغربية شرطية مرور ، إلخ .
كان الأمر ، و ما يزال ، أشبه بسباق محموم لحيازة شهادة السبق و الفخار ، في إطار النهوض بأوضاع المرأة ، و حقوق المرأة ، و المساواة بالرجل ، إلخ .
و لكن في لحظة تأمل لهذا الأمر ، و في إطار ضرورة الانتقال من الفكر الطفولي المستلب إلى فكر ناضج واعي مستقل ، لا بد أن نقف لنتساءل :
ــ ثم ماذا بعد ذلك ؟
ــ ماذا ستربح المرأة من وراء ذلك ؟
ــ و ماذا سنربح جميعا من وراء ذلك ؟
حقيقة ، لا يمكن بهذه المناسبة إلا أن ندين مختلف أشكال العسف التي كانت ــ و ما تزال ــ تتعرض لها النساء ، و الحيف الذي لحقهن لقرون عديدة بسبب الجهل … كما لا يمكننا بهذه المناسبة إلى أن نشد بحرارة على أيادي كل المنادين بضرورة إنصاف المرأة ، و تمتيعها بحقوقها كاملة باعتبارها إنسانا مثلها في ذلك مثل الرجل .
و لكن ، نعيد السؤال من جديد : … ثم ماذا بعد ذلك ؟
فما الذي يدفع بالمرأة إلى أن تزاحم الرجال في أعمال تكون إلى وقت قريب حكرا عليهم ؟ هل هي الرغبة في التحدي و إثبات الذات ؟ أم هي مجرد الحاجة الملحة الاضطرارية ؟ أم هي بكل بساطة اختيار عادي متعلق بحب مهنة في حد ذاتها ؟
فأن تزاحم المرأة الرجال و تؤكد ذاتها ، معناه من زاوية نظر أخرى ، أن تعرض نفسها لمشاق لا يستطيع تحملها على المدى الطويل إلا الرجال ــ و قد لا يستطيعون ــ و أن تحرم نفسها من حقوق طبيعية أساسية ، و أن تحرم غيرها من حقوق واجب عليها أداؤها لصالحهم باعتبارها المسئولة الأوحد عنهم .
إن إقبال النساء على اقتحام ميادين عمل معينة ، بغضها النظر عن طبيعة تلك الأعمال و عن متطلباتها ، يطرح أسئلة مقلقة عن حقوقها و واجباتها ، و عن معنى وجودها على اعتبار الفطرة التي جبلت عليها و متطلبات تلك الفطرة ..؛ فما مصير أنوثتها ؟ و ما مصير زواجها ؟ و ما مصير أمومتها ؟ و ما مصير إنسانيتها التي تتقاسمها مع الرجل ؟
و أذكر بهذه المناسبة كلاما لأحد الأساتذة في سنوات الثمانينيات ، في خضم الحرب الباردة و ما صاحبها من استعراض لانجازات كل طرف على الطرف الآخر في مختلف الميادين ، و التسابق المحموم لكسب الأتباع المناصرين من الشعوب و الدول ، أذكر أنه قال بنبرة من الفخار و الإعجاب ــ و ضمنيا تبخيس للذات مقابل دعوة إلى الاقتداء بالآخر ــ أن أحد السدود الكبرى التي بنيت ببلادنا شاركت فيها نساء سوفياتيات ، هن كذلك كن تعملن مثل الرجال في أعمال البناء ، و ذلك بطبيعة الحال على مدى عدة شهور .
كما أذكر ، في أحد الكتب الرسمية لوزارة التربية الوطنية الموجهة للفتيان ، صورة ثلاث نسوة سوفياتيات تعملن في البناء ، و تحت الصورة تعليق يقول : مساهمة النساء في جميع الأعمال … ناهيك عن أخبار أخرى تنقل إلينا عن إنجازات النساء العظيمة هناك ، و عن مكانتهن ، إلخ .
كانت نظرتنا حينها تجمع ما بين الاستغراب و الإعجاب . لكن ، و مع تقدم السنوات ، تطرق أدهاننا كل مرة أسئلة جديدة عن هؤلاء النسوة : ألسن متزوجات ؟.. أليست لهن أسر ؟.. من يعتني بأطفالهن طوال شهور غيابهن ؟.. هل هن مخيرات أم مجبرات على العمل ؟.. ماذا استفدن من وراء ذلك الإنجاز ؟.. و هل يَعْتَدْن فعلا بذلك الانجاز ؟.. أم هي الحكومات فقط التي تتباهى على بعضها البعض بغض النظر عن حقيقة أمر المُتباهى بهن ؟..
لكن و بعد تلك البهرجة بسنوات ؛ نستفيق على سقوط الاتحاد السوفياتي ، و على سقوط الشعارات التي كان يتغنى بها ، و افتضاح أوضاع اجتماعية مزرية ، لا أرى إلا أنها نتيجة الانجازات العظيمة للنساء اللواتي أبَنَّ عن قدرتهن في المساهمة في كل الأعمال ..، و في المساهمة في الناتج الوطني ، و في بناء الاقتصاد ، و في التقدم … و نفس الحالة تسجلها باقي الدول الغربية و إن بنسب متفاوتة بحسب ظروف كل بلد على حدة :
فقد نجح النظام السوفياتي ، عبر النظام التعليمي و التربوي و الثقافي التقدمي الثوري اليساري ، في تكوين أجيال بعيدة جداً عن الدين و ملحدة أو شبه ملحدة ؛ حتى بلغت نسبة الملحدين وأشباههم في الستينيات من القرن العشرين ما بين 80 و 90 % من مجموع سكان روسيا … و لا بد أن تكون المرأة في قلب و صميم هذا التكوين المتميز ؛.. فماذا كانت النتيجة ؟
أشارت تقارير روسية ــ اعتمادا على بيانات منظمة الصحة العالمية ــ إلى أن روسيا أمة تموت تدريجيا ، و قد تنقرض في ظرف 50 سنة ؛ و يرجع هذا الوضع الخطير إلى عاملين ديمغرافيين اثنين : ارتفاع حاد في معدل الوفيات مقابل انخفاض حاد في معدل الولادات ؛ الأول بسبب النسب المهولة للروس المدمنين على الخمور و المخدرات و السجائر و ما يلحقها من مضاعفات صحية و اجتماعية ، ناهيك عن آلاف المصابين بمرض الإيدز ( 1,5 مليون حامل للفيروس )، و الثاني بسبب إعراض الروس عن الزواج و الإنجاب ، وانشغال النساء بالعمل من أجل الإنفاق على أنفسهن ، ناهيك عن استفحال ظاهرة الإجهاض ( ما يفوق 4 ملايين حالة إجهاض سنة 1990 ) .
… و جاء منقذ روسيا من الهلاك الرئيس الروسي السابق "فلاديمير بوتين" ليُلَخِّص أهم القضايا التي تواجه روسيا في : « الحب و المرأة و الأسرة » في إشارة إلى « المشكلة الديموغرافية » التي تهدد بانقراض الجنس الروسي ؛ فطالب بضرورة حفز المواليد و مكافأة الأسر التي تزيد من عدد مواليدها . و قد خصصت الدولة رسميا مساعدات مادية و معنوية مختلفة لصالح النساء اللواتي يزدن من عدد السكان … و لكن ، و حيث أن التكوين السوفياتي الفعال ما يزال مفعوله حيا ، فإن عددا من تلك النسوة تبادرن بالتخلي عن مواليدهن بمجرد حصولهن على المكافآت ، و ترمين بهم إلى الملاجئ .
و عموما ، فإن الحالة هي نفسها في كل الدول المتقدمة ، فقد أصبحت قضية الأسرة ضمن أولويات الساسة ؛ و حسب المجلس الاقتصادي و الاجتماعي لهيئة الأمم المتحدة ( 2002 ) فإنه في : » معظم البلدان ذات الخصوبة المنخفضة، يؤجل بشكل متزايد الدخول في علاقة زوجية مما يؤدي إلى تقليص كبير لفترة الإنجاب. و في العديد من بلدان أوروبا الغربية، وبلدان الشمال الأوروبي، والبلدان الواقعة في أمريكا الشمالية، ينتشر وجود أسر من غير أطفال انتشارا واسعا « .
في فرنسا ، صرح رئيس الوزراء الفرنسي دو فيلبان أنه حين يتوقف أحد الأبوين عن العمل ليرعى ثلاثة أطفال فسيحصل على 750 أورو شهريا لمدة عام ..، و كأنها دعوة إلى أن تقر النساء في بيوتهن لرعاية أطفالهن . و هذا ما يقع فعلا : حيث إنه تعمد سنويا حوالي 380 ألف امرأة إلى التوقف عن العمل لأجل العناية بالأطفال الذين يقل سنهم عن ثلاث سنوات .